من المواقف الطريفة التي لا أنساها.. في يومٍ مِنْ أيام الجامعة نزلتُ في الصباح الباكر مع ْنسيمه العليل، استقليّتُ سيارة الأُجرة المُسمّاه بـ (الميكروباص) .. وصادفَ جلوسي بجانب رجلٍ كبير في السن، يبدو وكأنه فيما بين الأربعين والخميسن تقريبًا .. كان يمسِكُ في يده شيئًا غريبًا ..
نظرتُ فإذا هو جهاز لتشغيلِ المقاطع الصوتية، أرى مِن نظرته إليه وتركيزه الشديد ..أنّهُ شغوفٌ به.
تحرّكت السيارة وبعد قليلٍ شغّل الرجُل الجهازَ فإذا هي بأغنيةٍ قديمة، لا أذكُرُ لمِنْ كانت .. لأم كلثوم أو غيرها ..
بدأ بتشغيل الصوت على مستوى منخفض .. -ربما كان يجسّ نبض قبول الراكبين بهذا الفعل- .. فلما وجد ألا اعتراضَ عليهِ .. وربما أنه لا يهتم أصلا، فبدأَ في رفعِ الصوتِ شيئًا فشيًئا -وكان يظهر عليه علامات الفرح واستمتاعه بالأمر.
أمّا أنا فمن عادتي وضع سماعة الهاتف في أذني وأستمع لما يحلو لي بعيد عن ضوضاء الطريق .. لكن في هذا الحال، لم أتمكن من ذلك .. إضافةً إلي أنني كنتُ أودّ قراءة شئ من القرآن قبل الوصول .. لكن صوت الأغنية سوف يشتت علّيّ القراءة ... ما الحل إذن يا كونان ؟ 😎
تحدثتُ للرجل مُبديًا إعجابي بهذا الجهاز .. سائلًا إياه - وأنا أعلم - هل له مدخل لسماعات الأذن؟ قال نعم هذا هو ..فأخذته وجربته بسماعاتي ..ثم قلت له .. خذ واستمع إذًا بالسماعات..
"قال لي شكرًا وكأني أعزم عليه :3 قلت له ممكن تسمع علشان هقرأ قرآن :).."
فظهر عليه بعض التوتر و الحرج .. وقال لي فيما معناه -طبعًا أكيد- ... فأغلق الصوت أو أخفضه جدًا -لا أذكر بالضبط- .. وأخذ يُقلّب في المقاطع .. وكأنه يبحث عن شئ ..
المهم أخذتُ أنا في القراءة .. حتى أقترب مكان النزول بشئ ليس بالكثير ..
فإذ بالرجل يُعيد تشغيل الجهاز !
لكن هذه المرة ليس على أغنية للست ..
بل على مقطع قرآني ..وهو ينظر إليّ بلهفة ليُسمعني إياه ..
فأبديتُ له إعجابي بالأمر .. وأنا أستمع بتمعن .. فأخبرني أنه رُجل يقلّد الشيخ عبد الباسط
سألته عن اسم القاريء قال "لا أعلم ..فقط وجدتُ المقطع على النت .."
استمعنا للمقطع .. ومازالت عليه علامات الفرح وعيناه تلمعان ..
وصلنا لمكانِ النزول .. فألقيتُ عليه السلام .. فردّ عليّ وهو يبتسم ثم نزلنا ومضى كلّ منا في طريقِه ..
.

تعليقات
إرسال تعليق