هناك ثلاثة أسباب تدفع بالمرء إلى كبت عواطفه. فنحن ندفع العواطف غير المستحبّة لأننا:
1: قد تربّينا على ذلك.
فما سمعناه من أهلنا يتردد في نفوسنا وكأنّه شريط مُسجّل يرنّ صداه دومًا في آذاننا. وقد حصل ذلك في السنوات الخمس الأولى وشارك فيه، إلى جانب أهلنا، آخرون من أفراد العائلة. فالطفل الذي ينشأ في عائلة لا تؤثر التعبير عن العواطف سيكون عرضة لكبت عواطف الدفء والحنان. أمّا الطفل الذي ينشأ في عائلة تتكاثر بين أفرادها الصراعات والمشاكل فقد لا يتردد في الإقرار بغضبه والتعبير عنه ولكّه قد يكبت الشعور بالعطف والندم.
-
2: نضفي على العواطف بعدًا أدبيًا.
نحن ننظر إلى بعض العواطف وكأنّها "حسنة" وإلى عواطف أخرى وكأنّها "سيئة" وذلك قد اكتسبناه من المحيط الذي فيه ترعرعنا. إنّه حسن أن نشعر بالامتنان مثلا. ولكنّ الشعور بالغضب والحسد أمر سيّئ وغالبًا ما نسمع الأهل يقولون لطفل مثلا: "لا يحق لك أن تشعر هكذا" أو" يجب عليك ألا تشعر بالغضب" أو " عليك أن تشفق على هذا الشخص أو ذاك". يبدو أن مجتمعنا بأسره قد توافق مع "مقاطعة" شعور واحد وهو شعور المرء بالشفقة على نفسه. بل إنّ ذلك الشعور قد أصبح، لسبب أجهله، مرادفًا لكلام بذيء.
-
3: نعيش صراع بين ما به نشعر وما به نؤمن.
إذا كانت" الرجولة" مثلا تشكّل قسمًا مهمًا من " نظرتي إلى ذاتي" أو من " هويّتي"، فما من شك أن بعض العواطف ستتضارب مع تلك الصورة. فعليّ، في مثل هذه الحال، أن ألقي ببعض العواطف جانبًا كي أحافظ على شعوري" برجولتي". فأنا في السنوات الأربعين الأولى من حياتي ما كنت أقر بخوف من أيّ شيء أو أيّ إنسان.أقّله هذا ما كنت أفكّر به وعنه أُفضح. ولكنّ معدتي التعيسة هي التي دفعت عن ذلك ثمنًا باهظا. فأحشائي ما كانت تصدّق ما يقوله لها عقلي أو ينطق به لساني. لقد آثرت المكابرة في الحقيقة.
أنا أشعر أحيانًا بأن أسباب الكبت الثلاثة يمكن اختزالها بسبب واحد بسيط: أنّ ما فيّ إليه حاجة لأتمّكن من متابعة الحياة هو الحفاظ على احترامي لنفسي وتقديري لما أنا عليه. ولقد بنيت من حولي نظامًا يُلبيّي تلك الحاجة الأساسية التي بها أشعر. ولكنّي أقرّ بأن هذا البناء، سريع العطب وأنّه عليّ أن أحميه من أي خطر داخليًا كان أم خارجيًا.
فعواطفي التي تنبع من داخلي وتبدو وكأنها لا تتوافق مع قبولي لذاتي تشكّل تهديدًا لنظرتي " السريعة العطب" إلى ذاتي. فعليّ آنذاك أن أرفض قبولها. وإذ بي أشعر بآلام في الرأس والمعدة أو " بحساسيات" أو جراثيم" رشوحات" .... إن العواطف الدفينة أشبه بالشخص المرفوض، فهو يفرض علينا ثمنًا باهظا لرفضه. إن غضب العواطف المكبوتة لغضب جهنّمي.
- جان باول اليسوعي.
تعليقات
إرسال تعليق